السعيد شنوقة
7
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
المقدمة اتسمت المعارف العربية في العهد الأول من الإسلام بالبساطة والنظرات المتفرقة التي يعوزها الترابط ، رواها الخلف عن السلف بغير تمحيص حتى جاء العصر الأموي الذي ساد فيه العلم الديني ، وصارت مسائله تتناول بنظر أدق في وقت لم تتمايز العلوم فيه بعد ، وإنما كانت كتلة واحدة لأن الثقافة آنئذ كذلك ، جمعت التفسير والحديث والفقه وما يلزم من لغة وشعر ؛ وكان العالم يحدّث بها في المجالس المنعقدة أو يرويها في إحدى المسائل المثارة . وقد تمحورت أحاديث العلماء ورواياتهم حول المعرفة الدينية التي نواتها القرآن الكريم والحديث الشريف الذين كان الفقه يستنبط منهما ، ويروى الشعر لأجلهما ، وبسببهما كانت تبحث مسائل نحوية ؛ فغلبت المسحة الدينية على النشاط العلمي وقتها . وتميزت المعارف بحلول العصر العباسي ، وجمعت المسائل كلا على حدة ، وصنفت أسس العلوم العربية - تقريبا - فوضع تفسير القرآن ، وجمع الحديث ، ووضعت علومه ، ووضع علم النحو الذي توّج بكتاب سيبويه ( ت 180 ه ) وألفت كتب اللغة ، يتصدرها معجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت 170 ه ) وما جاء به فكره الرياضي من عروض وغيره ، ودونت المعلقات والمفضليات والأصمعيات ، وكتب الأدب واللغة ، وعلم الكلام ككتب الجاحظ ( ت 255 ه ) ، وابن قتيبة ( ت 276 ه ) ، والمبرد ( ت 285 ه ) وغيرهم كثير . ودوّن الفقه والتاريخ ، وترجمت كتب الفلسفة ، ونشطت حركة التأليف ، وظهرت علوم جديدة بسبب هذا التطور وبسبب الخلافات السياسية والمذهبية ، واحتدم الجدل بين المسلمين أنفسهم ، وبينهم وبين غيرهم ممن ينتمي إلى ثقافات الأجناس الداخلة في الإسلام والباقية على معتقداتها . وكانت البصرة في ذلك أكثر المواقع حظا في طلب الدراسة اللغوية لذاتها واعتماد الثقافة المستقلة لأنها كانت متميزة بالتطور والاستقرار والتمرس بالعلوم